َهدْهَدة

مات بعد حياء

احتاج الي سنوات ثماني يا ابي.. لكي استعيد انفاسك الحنونة التي كانت

تحتضني دون زراعين اومجرد ايماءة الى هذا النهر الجارف من فيض الحب الذي

يغرق مدينة بأكملها ويزيد، لكن عزة نفسك الابية الصعيدية.. كانت سدا كبيراوحجابا سميكا دون كشفها بسهولة، الا انه قبل رحيلك عن الحياة بشهرين..

تمردت علي كبريائك الفرعوني الدماء.. حينما اتكئت علي المك وساقك السمراء

النحيفة وعلي قلبي الناظر اليك بشغف الخوف والترقب والحائط المائل علي

حظي وايامك وقلت بسبق لم يحدث من قبل وكلمات تسبقها الدهشة.. اني

احبكم جميعا أبنائي.. إلا إياك فلك العشق وحده

فالشبه بيننا كان كبيرا.. دون ملامح.. كنت ترسم وانا الون.. كنت تخط الحرف وانا ابتكر.. كنت تقود وانا اقلد..

فصورتي الحائرة مابين حمرة الرمان وسمار عطاؤك الفياض كسنابل القمح التي

تتمايل يمينا وشمال في مركب الهواء العاشق.. دون ثبات.. تدفئها عين الشمس

القرمزية  وتظلها غيمة شاردة دون انتباهة وتؤنسها زغازيد العصافير والنساء

ساعات العصاري الفرحة.. تشهد بذلك

في مثل هذا الوقت البعيد كانت يدك السمراء الصغيرة تضغط بقوة علي يدي من

شدة الالم وهجومه الشرس المتوالي.. اما انا فكنت لا اشعر باي الم.. وكيف

اتألم ولاول مرة تحتاج الي يدي لتحتمي بها من المك الفتاك.. فقط كنت أحاول ان

اسرقه في خلسة منك الي يدي.. لكن دون جدوى او نجاحي الذي عهدته معك

حينما اشحذ همتي وحيلي لاقناعك بامر ما.. فقد غلبني مفرق الاحباب.. سبق

الموت حد الزمن وتفوق علي كل محاولاتي للاحتواد والدعاء

كان الألم يزداد بجسدك النحيف الذي هزمه المرض الوحشي بكل ضرواة وانت

من كنت ابدا لاتستسلم له.. هذا الجسد الذي لطالما كان بمثابة الملجأ بعد الله

لي وللجميع والقوة والحماية والرجولة التي شهد لك بها كل من عرفك وجاورك

في حياتك وبعد مماتك

كانت العتمة تزداد سوادا في عيني.. تسكنني وتحتضنني بقسوة.. بينما ارقب

بفزع اصفرار وجهك يزداد رويدا رويدا.. ليسلم للموت رايته بكل خضوع وسكينة لم

اعهدها فيك من قبل ايها العسكري المشاكس.

كنت مازلت امسك بيدك.. فيروق لي انك تتكأ عليها بشدة وتسكب المك القاسي

فيها.. ربما ترتاح قليلا منه ولو برهة

فرحت بهذه اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة باحتياجك لي… ليدي الصغيرة..

دون شعور بالحرج وانت من لم تظهر اي احتياج او ضعف اولجوء من قبل لي او

لغيري

فشخصك الذي يشبه اسياد الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ.. ابدا لم

يحط ترحاله فى يوم من الايام على شاطئ الحاجة واللجوء للاخر.. دمت عزيز

النفس.. ابي.. ترتدى لباس النخوة والشهامة وانت بعمرك السبعيني.. تفعل

مالايفعله الشباب الخامل

ماهي الا لحظات قليلة وكل من حولي.. من يشاركك سويعاتك الأخيرة.. طلب

مني الخلود الي النوم بالسرير الذي يجوارك.. لشدة اعيائي.. رفضت لكن تحت

الإلحاح الشديد منهم.. نعم نمت قليلا بعد ان طلبت منه كثيرا ان يقول ويردد

الشهادتين  وزدت عليه ان يصلي على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كي

يخفف الألم عنه..حتي لايظن انه زائره  قد اقترب.. لكن بداخلي كان هناك رعب

جاثم علي قلبي وصدري وجميع اجزائي.. من اقتراب الفجيعة.. النهاية الرحيل..

الفراق.. الموت له والموت لي..

نمت قليلا.. لاصحو فزعة  على شهقات روحك.. تهمهم صارخة.. لا افهمها..

تناديني بسرعة غير معهودة.. لتوقظني  كي اشهدها.. كما فعلت امي تماما من

قبلك بأربع سنوات.. باللحظة الاخيرة

نعم.. فانا المحظوظة بهذه اللحظة الاخيرة  ..الوحيدة بين أبنائكما.. التي نالت

وجع الوقوف علي رأسيكما في اخر مشهد لرؤيتكما الغالية المستحيلة.. وانتما

تخرجان آخر ماتبقى لكما من انفاس بهذه الدنيا البائسة.. لتدخل الي صدري

مباشرة وتستقر بروحي الي الابد دون جدوي للخروج رغم الرجاء والالحاح

أتساءل.. لماذا كنت صاحبة الاسم الأخير علي لسان امي.. والمنادة الأخيرة

علي لسان ابي؟

هل ابيتما ان لاترحلا دون ان اشاركما انفاسكما الاخيرة.. لا.تلاشي معكما يا احب من خلق ربي؟

هويدا عطا

شاعرة.. مؤرخة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق