مصطفي بيومي يكتب:”الصمت والصدى” طاهر إسماعيل

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية..أمين العيوطي

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية

12- أمين العيوطي

“الصمت والصدى”

طاهر إسماعيل

——————–

في أغسطس 1968، بعد عامين وشهرين من الهزيمة الكارثية في يونيه 1967،

ينتهي أمين العيوطي من كتابة رواية “الصمت والصدى”، التي تُنشر سنة

1970، وتقدم شهادة عميقة ثرية، في بناء فني متميز متماسك، عن مقدمات

وجذور الهزيمة، عبر معالجة إنسانية تخلو من المباشرة الفجة والإسراف

الانفعالي. في رؤية الروائي القدير، الذي ينم أسلوبه في بناء الشخصيات عن

وعي بجدلية العلاقة بين الذاتي والموضوعي، ما يقود القارىء إلى استيعاب

الرسالة وإدراك المغزى، ولابد عندئذ أن يتساءل: هل ينتج الأفراد المهزومون

المأزومون إلا وطنا ينتظر الهزيمة؟.

مع تعدد شخوص الرواية وتنوع توجهاتهم، يمكن القول إن طاهر إسماعيل هو

الأكثر أهمية والأعظم حضورا، لكن أهميته هذه لا تكتمل بمعزل عن علاقاته

المتشابكة مع الآخرين المحيطين به، مؤثرا عليهم ومتأثرا بهم. هكذا يتفاعل مع

أبيه وأمه والعم سلماوي في القرية، ومع زميليه عثمان قدري وحازم الدهشان

ورئيس التحرير الزواوي في المجلة التي يشرف على القسم الأدبي فيها، ومع

نزلاء البنسيون الذي يسكن إحدى حجراته وفي الصدارة منهم حبيبته، وضحيته،

هالة.

لهؤلاء جميعا خصوصيتهم واستقلاليتهم وتفردهم، فهم لا يتحركون في إطار

التبعية لطاهر، ولا تتوارى ظلالهم في ظله. لكل منهم تاريخه الذي يسهم في

صناعة حاضره، وغرفة التذكارات التي لا تغادره، والهم المختلف الذي يسكنه

ويوجعه؛ لكن الرواية تبدأ بطاهر وتنتهي مع المأساة التي يتحمل مسئوليتها

ويدفع ثمنها، وتنبىء في جوهرها عن الأزمة الموضوعية التي تتعرض لها مصر،

حيث خليط الخلل والإجهاض والموت، فضلا عن الأمل في التجاوز والوصول إلى

مستقبل لا يمثل امتدادا للماضي وانكساراته.

…………………..

علاقة الجفاء والتوتر بين طاهر وأبيه إسماعيل، التي تفضي إلى الصدام

والقطيعة، مردودة إلى شهوة ملكية الأرض المسيطرة على موظف البريد

المتقاعد. يتنقل بحكم عمله بين أماكن شتى ذات خصائص مختلفة، محتفظا في

أعماق روحه بخضرة الأرض التي يعشقها. ينثر الزرع حيثما حل، ويجني مالا من

هوايته التي تمنحه متعة التحقق، لكن حلم امتلاك أرض في قريته يتحطم على

صخرة جشع أخيه الذي يسطو على مدخراته ويسجل الأرض باسمه :”وكانت

قطيعة بين الأخوين، لكنها لم تمنع الأب حين تقدمت به السن من أن يعود إلى

القرية ليعيش على معاشه الضئيل، وفي قلبه أمل مبهم، أن يغمض عينيه على

قطعة أرض تحمل اسمه. كان أمل الأب يرقد عبئا ثقيلا على روح طاهر كأنه كتلة

صدئة من حديد تثقلها”.

ملكية الأرض هي المعنى الوحيد للحياة عند الأب، وضياع الحلم بغدر أخيه لا

يعني التراجع والاستسلام، فالأمل كامن على الرغم من غياب مقومات تحقيقه.

الأمر عند طاهر مختلف تماما، فهو يستنكر أن يربط الإنسان وجوده بملكية ما

يحب، ويرى في الرغبة المسيطرة على أبيه شيئا سوقيا رخيصا جديرا

بالاستهانة والازدراء :”إن الأرض هي التي تملكنا في النهاية”.

لو أن الاختلاف بين طاهر وأبيه نظري خالص ما وقع الصدام العنيف بينهما، لكن

الأب يستدعيه ذات شتاء ويطلب مساعدته في شراء أربعة قراريط معروضة

للبيع، وبرفض الابن الذي لا يملك ما يقدمه لتحقيق الرغبة المستحيلة، ينتفض

إسماعيل معلنا عن غضبه العارم :”ده حد ما بيني وبينك”.

على النقيض من الأب، تمثل أم طاهر طاقة حب وحنان، لكنها تدمن طاعة زوجها

والإذعان له، وهو بدوره يعتبرها الملكية الخاصة الوحيدة في حياته، كأنها

التعويض الميسور المتاح عن ملكية الأرض :”دي مراتي. أنا حر فيها. ملكي”.

العم سلماوي، بسنواته السبعين وحضوره الطاغي، يمثل الأمل المشرق في

المناخ الكئيب غير السوي. من البدهي أن يكون ملاذا لطاهر عند الشدائد، وواحة

يلجأ إليها بحثا عن التوافق والانسجام مع النشاز الذي يعكر صفو الحياة. الرجل

الفقير ذو الأصول الثرية، يشبه الصحفي الشاب في كراهية فكرة الملكية،

وشعاره الدال يتمثل في مقولة :”الأرض يا بنتي تعرف العرج.. لكن ما تعرفش

الورج”.

البطولة للعمل-العرق وليس للملكية-الورق، ورؤيته هذه تعبير دقيق عن حكمته

وفلسفته المستمدة من حب الأرض دون امتلاكها.

أب مسرف في قسوته مسكون بمرض مزمن لا شفاء منه، وأم طيبة سلبية لا

تملك إلا عاطفة غير مجدية، وفلاح أصيل هوالأكثر صدقا، فماذا عن ساحة

العمل؟.

………………..

المجلة الأسبوعية التي يعمل فيها طاهر محررا أدبيا، ليست إلا صورة مصغرة من

مؤسسات الدولة المصرية قبل فترة قصيرة من هزيمة يونيه 1967. الزواوي

رئيس التحرير مثقف ومناضل يساري متقاعد، وفضلا عن غرفة تذكاراته السوداء

المرتبطة بطفولته التعيسة، فإن عذاباته في المعتقل تعلمه أن يتعايش ويرضخ

ويلتزم بسياسة غائمة لا يعرف، ولا يعرف غيره، أبعادها وتوجهاتها. في صدامه

مع المحرر السياسي حازم، يراه يساريا متطرفا، واختلافه مع المحرر الفني

عثمان ينبع من التحفظ على منهجه النقدي الأقرب عنده إلى اليمينية. كيف

لسياسة التحرير، التي تعكس سياسة النظام، أن تنهض على رفض اليسار

واليمين معا؟.

لا ينجو طاهر من لعنة الاضطراب والتخبط المهيمنة على المجلة والمجتمع معا،

وفي دوامة كهذه لا ترضيه القصص التي يكتبها، ويجد فيها نتفا متفرقة يستمدها

من رصيف الحياة، ذلك أن مختاراته هذه تبقى متناثرة مبعثرة بلا قانون :”أي

قانون؟ هل هناك قانون؟”.

يبحث المأزوم طاهر عن “قانون” يحكم الجزئيات، ورغبته هذه تتجاوز النص

القصصي الذي يراود كتابته إلى الواقع الفعلي بتفاعلاته المعقدة ومفرداته

المتداخلة في غير نظام. كل “نتفة” تقع عليها عيناه لا تمثل شيئا في ذاتها ولا

تشكل عالما متكاملا، فلابد من نظرية متماسكة تحكم الإيقاع وتحقق التناغم

المفقود وتنبيء عن هوية التوجه الغامض الذي لا يعرفه أحد. في هذا الإطار

المعقد الضبابي الغائم، لا يبدو مستغربا أن يمزق طاهر القصة التي يكتبها للنشر

ويغادر الاجتماع الذي تخيم عليه أجواء العبثية.

الأزمة الخانقة التي يكابدها طاهر ليست ذاتية خالصة تتعلق بهمومه الشخصية

الفردية، والإحساس العارم بالملل والخواء وغياب المعنى والجدوى يطول الجميع

بدرجات متفاوتة. لا شيء يحدث في حقيقة الأمر، والجعجعة بلا طحن، والفراغ

يهيمن ويتوحش وينبىء بكارثة غير محددة الملامح تلوح في الأفق :”يوما بعد يوم

كانت روحه تتململ وهي تتفتح كل صباح على الأشياء نفسها التي تتضاءل

وسط وسط الضجة وأضواء النيون، وتسقط في فراغ لا معنى له. الأشياء نفسها،

والناس أنفسهم على المقاعد نفسها، والمكاتب والأوتوبيسات، وعلى أرصفة

الشوارع ينتظرون، ويبحثون، عيونهم تطل من وجوه بليدة”.

أين يكمن الخطأ؟. في الأفراد المهزومين الضائعين؟، أم في مجمل النظام

السياسي والاجتماعي الذي يتحرك في عشوائية مربكة تخاصم اليمين واليسار

معا؟. في حوار مع الزواوي، يرفض طاهر سياسته التي تعتمد على القهر

وإقصاء الآخر المختلف، ويرى فيها وسيلة هدم لجيل كامل من الشباب المعلق

في الفراغ، ثم يتساءل في حدة تكشف عن جوهر المأساة التي تتجاوز المجلة

ومن فيها إلى النظام الحاكم في جملته :”لمصلحة مين عاوزين تسيبوا وراكم

جيل من غير رأي؟”.

طاهر وزميلاه حازم وعثمان، كل بطريقته، يدفعون ثمن الأزمة ذات الأبعاد

الموضوعية والذاتية. المشترك الأساس بينهم هو غياب الفهم، وضبابية الرؤية،

وهيمنة الإحساس بالخواء، وافتقاد التوافق مع معطيات واقع ضاغط لا يبشر

بالأمل في الانعتاق؛ فهل يمثل الحب خلاصا؟.

……………….

تتسم تجارب طاهرالقليلة مع المرأة والجنس بالإحباط وخيبة الأمل، وفي

مغامرته الأخيرة مدفوعة الأجر، يغادر المرأة مسكونا بالخواء، ذلك أن الحب

الحقيقي لا يُباع ولا يُشترى :”ولقد باعته المرأة الحب، فتحولت روحه كهلا تلح

عليه الأمراض فلا يسمع إلا أنينه يضنيه، يؤرقه، يدميه”.

كان ذلك كله قبل ظهور هالة، جارته في البنسيون. هي من تجذبه بجمالها

الهادىء وعينيها الرماديتين الصافيتين إلى عالم لم يعرفه من قبل. فتاة بلا أسرة،

عاملة قوية الشخصية مستقلة مسلحة بالإرادة والعزيمة، وفي حياتها محطتان

مؤثرتان في تشكيل حاضرها. المحطة الأولى تتمثل في طفولتها غير المستقرة

وتعلقها بالجار الفلسطيني عم مصلح كأنه الأب، والمحطة الثانية هي الزيجة

الغرائبية التي لا يزيد عمرها على ليلة واحدة، مع ضابط الجيش الذي يستشهد

في عدوان سنة 1956. تتزوجه بتوكيل يحمله أخوه، بعد ليلة الحب الوحيدة التي

تجمعهما عشية سفره إلى الجبهة. تسلمه جسدها بإرادتها لأنها معطاءة بلا

حدود، عفوية متمردة على الحسابات الشائعة والقواعد التقليدية التي تحكم

غيرها :”ومضت عشر سنوات بين عام ستة وخمسين وعام ستة وستين، عشر

سنوات طوال قبل أن تخرج هالة من ثياب الحداد،كان هذا عندما تعرفت إلى

طاهر”.

تتطور العلاقة بينهما في سلاسة تخلو من العوائق والقيود، والتواصل الجسدي

بينهما أقرب في رقته وعذوبته إلى معزوفة سيمفونية بلا نشاز. يتحقق طاهر

معها ويجد المعنى والإشباع الذي يفتقده، ولاتفكير عندهما في المستقبل

بالمعنى التقليدي الذي يحكم علاقات الآخرين في مجتمع صارم عندما يتعلق

الأمر بالأخلاق والشرف، لكن الاختبار الحقيقي لمصداقية طاهر وصلابته وجديته

يبدأ مع الكلمات التي تقولها في بساطة تتوافق مع شخصيتها :”حين قالت له

هالة إنها تتوقع طفلا، بهت، ووجم”.

وجوم طاهر علامة دالة على التهافت والضعف، ليس لأنه “نذل” بالمعنى الشائع

للكلمة، بل لأن الخواء الذي يستوطن روحه لم يتبخر على الرغم من التواصل

المضيء بينهما. تقول له في براءة من يحب بصدق :”أن يكون لي طفل منك”،

فيرد كاشفا عما يعتمل في أعماقه من مشاعرالتردد وقلة الحيلة :”وأنا وانتي

حيكون بيننا طفل؟”.

يرى الطفل القادم حاجزا وسدا منيعا وعقبة تعترضهما، وإلحاحه على الإجهاض

فكرة هروبية ترفض هالة مبدأ مناقشتها. إذ يرتد رجلا شرقيا تقليديا محافظا،

يفسر حملها من منظور تآمري كأنها تتعمد توريطه، يبدو الفراق حتميا، ويقاطع

ابنه المنتظر كما يقاطعه أبوه.

…………………….

تصل الأزمتان الذاتية والموضوعية إلى الذروة، وتنبيء المؤشرات جميعا عن

انهيار كارثي يقترب ولا يمكن إيقافه. حرب الخامس من يونيه، مثل حمل هالة

تماما، امتحان عسير يواجهه النظام الناصري ويفشل في تجاوزه. الكتابة لا تجدي

نفعا في اللحظات العصيبة الفارقة التي تتطلب فعلا إيجابيا، والنهايات تتوالى

على الجبهات كافة. يُقتل رئيس التحرير الزواوي على يدي عثمان قدري، ما يعني

النهاية المأسوية الدامية لخلل يطول، ومشاعر الندم تدفع بطاهر إلى محاولة

انتشال قصة الحب المهدرة، لكن الفشل يطوله مجددا. تموت هالة ويعيش

الوليد، والثمن المطلوب للتخلص من أخطاء الماضي لن يكون مجديا إلا بالعمل

الشاق الجاد، فهل يسهل الوصول إلى معادلة التوازن هذه؟.

الانفراجة الذاتية تتجسد في رحلة طاهر إلى القرية، وتسليم وليده إلى العم

سلماوي وابنته صابحة:

“- آبا سلماوي. مش قادر أفكر في حد يربيه، لغاية ما يفصل ويشد حيله.

– أنا عجوز، لكن عندي بنية. في عنينا يا طاهر.

ومد العجوز ذراعيه، وشاع في قسماته ما يشبه فرح الأطفال”.

مع سلماوي وصابحة، النقيين المبرأين من الزيف، وفي أحضان الريف النقي

البعيد عن أمراض العاصمة، يمكن لابن طاهر أن يشب في مناخ صحي يهيىء

لمستقبل يخلو من العكارات والشوائب وأمراض الملكية والأنانية والملل والخواء،

أما عن الوطن المهزوم نظامه في الحرب مع إسرائيل، فإن السطور الأخيرة من

الرواية تنتصرلفكرة الصمود وضرورة المقاومة :”حين عاد إلى القاهرة في مساء

اليوم نفسه، كانت الجماهير تسد منافذ المدينة كلها. كتل من البشر، وهدير

أمواج من البشر يعلو فوق دوي الانفجارات، من وسط الظلام، يعلن رفض

الهزيمة، وإرادة الحياة، وانخرط طاهر وسط الجموع.

ومضى الليل، والطوفان لا يهدأ لحظة. حركة دائبة، وزحف دائب. وطلعت شمس

اليوم التالي على الجموع وقد أخذ الرجال أماكنهم”.

الاستسلام للهزيمة المزدوجة، كأنها نهاية المطاف، موت هالة وانكسار يونيه،

ليس مطروحا عند طاهر والكتلة الشعبية العريضة. التوقف عند الأخطاء والخطايا،

الفردي منها والجمعي، لا يصنع مستقبلا ولا يحيى أملا. الانخراط وسط الجموع

مطلب ضروري للتجاوز، والإسراف في جلد الذات مرض جديد لا تحتمله الأجساد

المنهكة.

…………….

أمين العيوطي روائي قدير متمكن ثري الإنتاج، وشخصية طاهر في مساراتها

المختلفة نموذج يجسد موهبة جديرة بالاهتمام، لكن الكاتب الكبير المتميز، الأقل

شهرة وانتشارا من أبناء جيله، لا يحظى بما يتوافق مع مكانته وعطائه. عندئذ

يُطرح السؤال الذي لا تسهل الإجابة عليه: أين يكمن الخطأ؟.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق