مصطفي بيومي يكتب:”النمل الأبيض” عامر عبد الولي

مئة و خمسون شخصية روائية مصرية .. عبد الوهاب الأسواني

مئة و خمسون شخصية روائية مصرية

16- عبد الوهاب الأسواني

“النمل الأبيض”

عامر عبد الولي

——————-

مع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي يتبناها السادات منذ منتصف سبعينيات

القرن العشرين، بكل ما يترتب عليها ويقترن بها من سلبيات، يبدأ المجتمع

المصري في مرحلة التآكل والتدهور والتراجع المريع لمنظومة القيم الموروثة

صانعة التوازن الاجتماعي والتآلف الإنساني. يتحول الاستهلاك الترفي

العشوائي السفيه إلى سرطان مدمر يستشري وينهش الأرواح، كأنه الأرضه أو

“النمل الأبيض”، عنوان الرواية، تلك الحشرة الضئيلة الفتاكة التي تستحيل

مقاومتها والقضاء على آثارها الكارثية إلا بالهدم الجذري وإعادة البناء.

الروائي القدير عبد الوهاب الأسواني حكّاء بارع، يصنع الأحداث ويشكل شخوص

عالمه في بساطة وسلاسة، ومن هنا يندمج القارىء سريعا مع رؤاه ذات الطابع

الواقعي الشعبي المختلط بلمسة أسطورية ذات خصوصية محلية. لأنه خبير

بأسوان وطبيعة التفاعلات المعقدة المتشابكة التي تحكم المجتمع الصعيدي

وناسه، فإن معالجته تتسم بالجاذبية والعفوية والصدق الذي لا ذرة فيه من

الافتعال والتصنع والزيف، ويقدم شخصيات حية من لحم ودم، ما ينعكس على

لغتهم وملابسهم وسلوكهم وردود أفعالهم وأحلامهم ومخاوفهم.

بشير، الذي يسمونه “الزنديق”، هو الشخصية الأكثر وعيا وإدراكا على الصعيد

النظري، والسر كامن في ثقافته وأفكاره اليسارية ونشاطه الثوري، لكن ابن

عمه عامر عبد الولي هو الأهم في رحلة استنباط الشهادة العميقة التي تقدمها

الرواية، ليس لأنه الأعظم حضورا فحسب، بل أيضا لأن المحطات التي يمر بها

في مسيرته ذات دلالة لافتة مضيئة في التجسيد الفكري والفني لخطورة

التحولات التي يمر بها المجتمع المصري.

……………………

يقترن الظهور الأول لعامر، في السطور الأولى من الرواية، باللقاء الغرائبي المثير

للدهشة الذي يجمعه مع توفيق بك الزعيم، الثري ساكن القصر وصاحب

العلاقات المتشعبة والنفوذ غير المحدود في كل العهود. في حواره مع المدرس

الشاب، يشكو البك من تدهور الحالة الصحية لابنه إسماعيل، ويشير إلى

تشخيص كبار الأطباء للمرض الذي يعانيه بأنه “حالة نفسية لن يشفى منها إلا

إذا تزوج الإنسانة التي يحبها”.

المشكلة التي تعرقل زواج إسماعيل ممن يحب أنها متزوجة، والمفاجأة الصاعقة

التي يواجهها عامر أن الحبيبة المقصودة هي عروسه الجازية. الطلاق هو الحل

الوحيد الذي يقترحه البك، والتعويض المادي السخي ثمن العلاج عند من يوقنون

أن كل وأي شيء قابل للبيع والشراء، حتى البشر وعواطفهم وروابطهم الأسرية:

“- نحن أمام أمر فظيع يا بني، ويمكنك الزواج من أحسن بنت في البلد، كل

النفقات على حسابي، وسأعطيك مبلغا من المال يغير كل حياتك.

الرجل يتكلم بجرأة غريبة رغم نبرة الحزن في صوته.

– يعني أطلق زوجتي ليتزوجها ابنك؟”.

من البدهي أن يرفض عامر بلا تردد أو تفكير عرضا مهينا خادشا للكرامة كهذا

الذي يقدمه توفيق بك، ومن المنطقي أيضا أن يصارح أباه وعمه والعمدة

بمضمون الاقتراح الغرائبي ، والعمدة من ينفرد بالكشف عن جذور عائلة توفيق،

كأنه يفسر دوافع السلوك غير القابل للفهم والاستيعاب :”هذا التصرف ليس

غريبا من حفيد الرجل الذي تعاون مع الإنجليز”.

وفق معايير النظام العشائري السائد، ينتمي الجميع إلى قبيلة واحدة، لكن

توفيق وعائلته، على الصعيدين التاريخي والواقعي، تعبير عن الشريحة التي

تستقوي بالسلطة، وتستحوذ على كل ما تريد، إن لم يكن بالإغراء والوعود

والحيلة، فبالقوة والوعيد وتدبير المكائد وممارسة الضغوط المتكئة على الثروة

الطائلة والعلاقة الوثيقة مع السلطة. بعد أيام من من رفض سالم، يتعرض بيت

أبيه وبعض البيوت الأخرى لتهديد الهدم بحجة البناء المخالف والجور على

الطريق، ويقول العمدة كمن يدافع عن نفسه :”توفيق بك هو سبب كل هذا

البلاء، أوعز إلى أقاربه من المسئولين في المحافظة بأن بيوتكم جارت على

الطريق”.

يتطوع العم الأستاذ دسوقي بالتفاوض مع توفيق لإنقاذ البيوت المهددة، ونجاح

مسعاه مقيد بشرط ينسف فكرة النجاح. يتساءل عامر:

– يعني أطلق زوجتي؟

– هل تستطيع أن تفعل شيئا أمام قرار هدم البيوت في سبيل المنفعة العامة؟

– لا.

– توفيق بك يستطيع أن يحلها بحكم صداقاته مع كبار المسئولين في المحافظة،

وهي خدمة يجب أن نشكره عليها”.

الشكر هنا يعني الرضوخ والإذعان، والأسلحة التي يملكها توفيق في صراعه

غير المتكافىء مع عامر تتجاوز التلويح بهدم البيوت إلى توريط زاهر، شقيق

عامر، في قضية سرقة تتطلب مصاريف باهظة، فضلا عن الوظيفة المغرية التي

يعرضها العم دسوقي على المدرس ذي الراتب الهزيل، وتكشف عن الأحلام

المخبوءة في أعماقه :”سوف أشتري تليفزيون ملون وجهاز فيديو وثلاجة

وغسالة كهربية ومكواة وثلاث دفايات وأربع مراوح وأجهزة تسجيل واستريو

وجميع الأشياء الأخرى”

تتنوع أساليب الضغط على عامر، ويرضى المدرس ذو التطلعات الاستهلاكية أن

يتحول إلى “محصل” لأقساط البضائع الانفتاحية التي تغزو القرى والنجوع،

وتمثل عبئا ثقيلا على كاهل الفقراء الذين يسقطون فريسة لطوفان الدعاية

وشهوة الاقتناء والاستهلاك السفيه. يدافع عامر عن الانفتاح وكوارثه بفعل

وظيفته الحديدة، ويرفع راية المدنية الحديثة وضرورات العصر، ويتجسد

استسلامه للسقوط في مقولة يخاطب بها نفسه مبررا موقفه الهش :”ما أنا إلا

مسمار في ترس تحركه الماكينات العملاقة ولا أستطيع إصلاح الكون، وعليّ أن

أصلح وضعي الاقتصادي”.

الأزمة لا تقتصر على طلاق الجازية، وتتجاوز فكرة الإهانة الشخصية. المناخ

الجديد ينبىء عن ميلاد قوانين جديدة تحكم سلوك الناس وطبيعة القيم

المهيمنة، والأمر ليس فرديا يطول عامر وحده، فما أكثر الساقطين المهزومين.

………………..

لا تختلف الجازية عن عريسها عامر في الضعف الذي يسكنها أمام إغراءات

الترف، ذلك أن المدرسة الجميلة تتسم بالطموح والتطلع إلى بيت مزدحم

بالأجهزة العصرية الحديثة. يخفي عامرعنها واقعة مقابلته لتوفيق بك وما دار

فيها :”إنني أعرف الجازية جيدا، تملك من قوة الشخصية ومن الاعتزاز بالنفس ما

يجعلها تعتبر ما حدث إهانة لها”.

هل يعرفها حق المعرفة؟. لا شك أنها قوية الشخصية عظيمة الاعتزاز بنفسها،

لكنها تضيق بالحياة البسيطة المتقشفة بعد شهر واحد من الزواج. يتخلص عامر

من إلحاحها حول أسباب رفضه لمقابلة توفيق بك، فيزعم أنه لا يريد الاقتراب منه

ويضيق بما يمثله، فإذا بها تبدي إعجابها بالبك وتقديرها لمكانته :”يا ناس.. يا

مسلمين.. يا هوه.. توفيق بك.. الرجل العاقل.. كبير المقام.. يطلب مقابلة بني

آدم فيرفض هذا البني آدم مقابلته، حتى من غير ما يعرف السبب؟”.

ظاهر ما تقوله مغلف بالمرح وروح الدعابة، لكنها تعني ما تقول عن أهمية الرجل

وشرف الاقتراب منه والتقرب إليه. يراوغها عامر فيقول إن البك يطلب منه إعطاء

دروس خصوصية لابن أخته، وهو لا يحب مخالطة هؤلاء الناس، فترد على الفور

:”غلط.. الاحتكاك بتوفيق بك يشرف أي إنسان.. رأيي أن توافق”.

تكشف مواقف الجازية عن أنانية بلا ضفاف، وغياب الرضا من سماتها الراسخة.

الأجواء الانفتاحية ومعطياتها الاستهلاكية تطغى عليها وتؤكد نهمها للاقتناء دون

تفكير في الظروف المادية المتواضعة لزوجها :”بصراحة نحن ينقصنا الكثير يا

عامر.. التليفزيون الملون والثلاجة والسخان والمدفئة والغسالة وغيره وغيره، ولا

داعي لذكر الفيديو الآن”.

أحلام الصعود السريع تراود عامر والجازية معا، وأنانية الزوجة لا تخفى على

الزوج الذي يرى ويرصد سلوكها اللامبالي واستهانتها بالتقاليد عند مرض أخيه

وموته، لكنه يغضب منها ويتمسك بها ولا يتخذ موقفا إيجابيا يحول دون

استمرارها في الابتعاد عنه. الهزيمة لا تنبع من قوة توفيق بك والمعسكر الذي

ينتمي إليه ويقوده، بل إنها تقترن في المقام الأول بتهافت وازدواجية عامر الذي

تتوالى هزائمه ويشتد حوله الحصار الخانق.

الطلاق نتيجة حتمية منطقية لما يتسم به طرفا العلاقة الزوجية من خلل

واضطراب، والمثير للدهشة أن طلاق الجازية يقودها إلى الزواج من توفيق بك

وليس ابنه، وسرعان ما تُطلق منه لتئول ملكيتها إلى عبد الودود الأفندي، النجم

الساطع في عهد الانفتاح برموزه الجديدة غير التقليدية.

عندما يرتضي عامر لنفسه عملا طفيليا قوامه استغلال البسطاء الفقراء وخداع

الأهل والعشيرة، وعندما تتخلى الجازية في بساطة ولا مبالاة عن زوجها وتتنكر

للأصول والتقاليد وتتحول إلى سلعة يتم تدولها بين السادة، القديم منهم

والجديد، تترسخ حقيقة إن القضية التي تعالجها الرواية عابرة للإطار الفردي

الضيق، فهي مأساة مجتمع تفسده لعنة الانفتاح التي تعيد صياغة الحياة

المصرية وتزلزل أعمدته القديمة.

………………

ليس أدل على الخلل الفادح الذي تتسم به شخصية عامر عبد الولي، والمجتمع

المصري الجديد بشكل عام، من اندفاعه إلى قصة حب جديدة مع فتاة لا يعرف

عنها شيئا ذا بال، وهو بعد عريس لم يمر على زواجه ممن يحب إلا ما يزيد قليلا

على شهر. تزعم “شوشو” أنها طالبة جامعية وابنة أخت عبد الودود الأفندي،

لكنها في حقيقة الأمر ابنة الطباخة التي تعمل في بيت الثري الانفتاحي :”أمها

كانت تأتي لتطبخ لنا.. إنها ابنة الطباخة”.

الأم طباخة، والأب من شهداء حرب الاستنزاف، والفتاة نفسها تنتمي إلى جيل

من الشباب الذي يعارض سياسة السادات ويتظاهر ضد زيارة إمبراطورة إيران.

تقاوم السقوط طويلا، وتتمسك بالمبادىء والقيم، ثم تستسلم تحت سطوة

الضغوط العاتية فتنخرط في منظومة الدعارة والانحلال، وينتهي بها الأمر إلى

القتل، وهي ظاهرة تنتشر في المجتمع الأخلاقي المحافظ وتنبىء عن المدى

الخطير الذي يصل إليه التدهور. لم تعد أعماق الصعيد، مضرب المثل في الحفاظ

على الشرف والقيم الموروثة، بمنأى عن الزلزال الذي يضرب بقسوة كل ما

يصادفه من ثوابت.

يستعين عبد الوهاب الأسواني بالموروث الشعبي والديني، السيرة الهلالية

ومأساة الحسين في كربلاء ومختارات دالة من التاريخ الإسلامي، لتدعيم

شهادته عن الواقع المعاصر الذي لا يختلف في كثير من أبعاده عن المعطيات

القديمة، حيث الصراع الذي لا يتوقف بين الخيروالشر، الحق والباطل. توظيف

فني يبتعد عن المباشرة الفجة والإقحام غير المحسوب، فهو أقرب إلى

الموسيقى التصويرية التي تتوافق مع الحدث ومشاعر الشخصيات، وفي

مقدمتهم عامر عبد الولي.

يرصد الروائي المتمكن من أدواته غزو الإيقاع الوافد المختلف جذريا عن السائد

المستقر في عقود وعهود سابقة، لكن المدرس المهزوم المأزوم ليس بطلا

شعبيا مقاوما من أصحاب المواقف المشهودة، مثل الإمام الحسين وأبطال

السيرة الهلالية، ذلك أنه يملك منذ البدء كل مؤهلات ومقومات السقوط. لا شك

في قوة وشراسة المعسكر المضاد، الذي لا يتورع قادته ورموزه عن ممارسة

كل الشرور، لكن السبب الرئيس في الهزيمة يكمن في تهافت وضعف عامر

والذين معه، فلا أحد منهم يواصل المقاومة، والاستثناء الوحيد يتمثل في بشير

“الزنديق”، لكن وعيه النظري لا يُترجم إلى سلوك مؤثر فعال.

زمن السادت يختلف جذريا عن العهد السابق له، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا

وثقافيا، والجديد المريب في سنوات حكمه يتمثل في السلام مع إسرائيل

والتقارب مع شاه إيران والانفتاح الاقتصادي والانتصار للطبقات القديمة

وامتداداتها السوقية العشوائية.

النهاية الكارثية التي يصل إليها عامر، وتتمثل في الهزائم الساحقة على الجبهات

جميعا، الأسرية والعاطفية والوظيفية والنفسية، تتويج لانتصار الزحف الجديد

الذي يسيطر بلا مقاومة. يفقد المدرس الشاب كل ما كان يتوهم أنها مكاسب

جديرة بتقديم التنازلات: الوظيفة ذات العائد الضخم، الحبيبة البديلة، الثقة

بالنفس؛ فضلا عن موت أخيه وأبيه وسقوط أمه في براثن الحزن القاتل. يرقد

مريضا أسيرا للحمى والهلوسة، ويتساءل في دوامة الوجع كأنه يقدم خلاصة

التجربة المريرة :”أريد أن أعرف الأسباب التي جعلت السيادة تنتقل إلى عبد

الودود الأفندي”.

كيف له أن يعرف وهو الذي لم يخض المعركة وآثر الانسحاب المبكر، متوهما أنه

سيظفر بالغنائم بلا تعب أو مشقة؟.

البناء القديم كله مهدد بالانهيار، و”النمل الأبيض”، الأرضة، يغزو وينتشر وتتآكل

معه الأسقف. لا دواء للعلة إلا بالهدم والتطهير بالنار قبل انتشار الوباء وفقدان

الأمل في السيطرة عليه.

السطور الأخيرة في الرواية تقدم المخرج الوحيد للنجاة، والمفردات الشافية هي

الهدم وإعادة البناء بعد التخلص من الآثار الوخيمة للتحولات التي يشهدها

المجتمع المصري :”اشترك الباجس وسليمان في وضع بقايا العروق في صحن

الدار، جاء بشير بصفيحة كيروسين، صبها فوقها، أشعلت الناعسة عود ثقاب،

توهجت الوجوه على الضوء”.

أهو فعل مستطاع في ظل التحديات؟. الأمر ليس سهلا ميسورا بطبيعة الحال،

والمعركة طويلة مرهقة، لكنها الاختيار الوحيد حتى لا تكون الهزيمة القاصمة التي لا قيامة بعدها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!