مصطفي بيومي يكتب :(الحرام) مسيحة

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية (يوسف إدريس)

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية
19 – يوسف إدريس
(الحرام)
مسيحة
مسيحة أفندي، باشكاتب التفتيش في رواية “الحرام” ليوسف إدريس، شخصية

محورية متميزة، يختلف جذريًا عن المحيطين به من المشكلين لعالم الرواية، فهو

من ناحية: “أرسخ الموظفين جميعًا أقدامًا في التفتيش”، وهو من ناحية أخرى

المسيحي الوحيد، لكن الاختلاف الديني لا يعني شيئًا بالنظر إلى انهماك الجميع

في العمل الدءوب الشاق، وغياب التعصب.

السمات الغالبة على شخصية مسيحة مزيج مركب من الدهاء والمكر والخبث

والإسراف في الحذر والحيطة، لكن سماته هذه لا ترادف مسيحيته، والدليل

الأكبر على ذلك أن شقيقه الأصغر دميان، الذي يعيش معه وتحت وصايته، ساذج

أبله أقرب إلى المجاذيب، أما زوجته عفيفة وابنته لندة فلا شيء يميزهما عن

غيرهما من النساء والفتيات.

يبدأ مسيحة حياته العملية نفرًا بالأجرة، ويقترن صعود مكانته الاجتماعية بالتتلمذ

على يد المعلم قيصر، الباشكاتب القديم ذي الدراية الواسعة بأسرار الحسابات

ودهاليزها وخباياها، يتعلم منه الحساب والقراءة والكتابة، ويخلص في التبعية له

كأنه الخادم المطيع: “فهو الأطوع له من بنانه، يخدم في منزله ويذهب إلى

البندر البعيد ويشتري حاجياته ويحافظ على زجاجة الزبيب أكثر من محافظته

على عينه، وإذا ما همهم المعلم قيصر لينطق تفتحت آذانه كلها لكلامه، وإذا

تكلم لا يصغى له وإنما الأدق أنه يمد أصابع نهمة من أذنيه ليلتقط كل كلمة تخرج

من فمه ويدسها في رأسه بسرعة مخافة أن تضيع أو تتبدد؛ إذ من حساباته

وكلماته سينتقل مسيحة من طبقة إلى طبقة، ومن فتى مآله الزراعة والعمل

بالفأس حتمًا إلى أفندي يجلس على مكتب ويعمل بذلك الشيء الصغير الساحر:

القلم”.
عبر العصور التاريخية المختلفة، كان المصريون المسيحيون هم الأكثر استحواذًا

وسيطرة على مناصب الصرافة والحسابات، فلا غرابة أن يكون مسيحة خليفة

لقيصر بعد وفاته، وأن يستمد منه منظومة القيم والمبادئ التي يحافظ عليها

ويتشبث بها، في عمله المهني وحياته الشخصية على حد سواء. فارق

اجتماعي كبير بين العمل بالفأس والعمل بالقلم، وفي سبيل الخلاص من مشقة

الزراعة وأهوالها، لا يتورع مسيحة عن التفاني في الخضوع، فهو يعي أن

مستقبله رهين بالطاعة غير المحدودة، والتقاط مفاتيح الفهم للعالم الغامض

الذي تضن معرفته على غير أهله.

المعلم قيصر، بسلوكه العملي وحكاياته الحكيمة، هو صاحب الفضل الأكبر في

تشكيل شخصية مسيحة، وبفضل أستاذه يحقق النجاح والاستقرار والتوازن

الذي ينهض على حسابات دقيقة صارمة، لا مجال فيها للانفعال العاطفي

والإسراف في المشاعر: “الحرص والحذر وعدم ترك الشيء للصدف، ذلك ما

علمه إياه المعلم قيصر قدست روحه، وذلك ما جعله يخلفه في وظيفته حين

مات، وما جعله يعمل في التفتيش أكثر من أربعين عامًا ماضيًا على تلك القاعدة

بلا سهو أو خطأ، يقبل عليه مآمير ومفتشون ويذهبون، وتُباع الأرض وتُشترى

وهو وحده الثابت الخالد، قابعًا وراء مكتبه الضخم وعلى يمينه أكوام الدفاتر، أقل

دفتر منها يزن عشرة كيلو جرامات، وعلى يساره أكوام. وهو العالم الخبير بكل

أحوال التفتيش وتاريخه، يعرف كل فلاح بالاسم والأب والأم، ويتذكر السلفة التي

أخذها فلان حتى قبل أن يفتح الدفتر، يعامل الفلاحين رغم عشرته الطويلة لهم

بأبلغ الحذر ويختلط بهم ويضحك معهم ويستشيرونه في أحوالهم وأخص

خصائصهم، ولكنه دائمًا مسيحة أفندي الباشكاتب”.

ليست المسألة هنا أن يكون محبوبًا أو شعبيًا، فالأهمية الحقيقية لمسيحة في

أنه العالم الخبير المحيط بتاريخ التفتيش ومن فيه، تعينه ذاكرة خارقة لا تغيب

عنها ذرة واحدة من التفاصيل الدقيقة. لا يتقرب من الآخرين إلى درجة الاندماج

ورفع الكلفة، ولا يبتعد عنهم إلى درجة الجفاء والعداء. لاشك أنه راض بموقعه

ومكانته، رضا الآخرين بأهميته وإقرارهم بمكانته وخطورته.
………………….
مسيحة أفندي رب أسرة تتكون من الزوجة عفيفة وثلاثة أولاد، وبنت واحدة. لا

تفاصيل عن الذكور من أبنائه أو اهتمام بهم: “اثنان منهم في ثانوي والثالث الأكبر

أخرجه من المدارس وسعى حتى جعله كاتبًا في عزبة قريبة”.

لا وجود للأبناء الذكور أو تأثير لهم، فهم غائبون تمامًا عن مسرح الأحداث،

والاهتمام كله ينصب على الابنة لندة، التي تحصل على الشهادة الابتدائية وتقبع

في البيت انتظارا للعريس: “والعرسان قليلون، إذ من أين يعلم العرسان بهذه

الغادة الجالسة تنتظرهم في ذلك المكان النائي الكائن على شمال الدنيا؟”.

قد تكون لندة جميلة عند المقارنة ببنات الفلاحين، لكنها لا تحظى بالكثير من

الإعجاب والتقدير عند الاحتكاك بالأقارب في شبرا، ففي زحام القاهرة واتساعها

تبدو لندة كبيرة الأنف واسعة الفم خشنة الشعر غير ممشوقة القد، ولا يشفع لها

بياض بشرتها الذي يمثل علامة السحر التي لا تقاوم في البيئة الريفية.

تأخر زواج لندة يبعث القلق في أعماق مسيحة، وتزداد المخاوف والهواجس

بالنظر إلى وجود الشاب صفوت، ابن مأمور الزراعة فكري أفندي، فالخوف كل

الخوف أن يقتربا محكومين بنزق الشباب وعواطفه الجياشة، والاختلاف الديني

لن يسمح بالزواج ولن يثمر إلا الفضيحة!.

يتعلم مسيحة من أستاذه قيصر أن يكون حريصًا حذرًا مسكونًا بالشكوك، ولا يقنع

كاتب حسابات التفتيش بتطبيق هذه المبادئ الصارمة في عمله، فالحياة

الأسرية لا تنجو من منظومة القيم التي تحكمه، وبخاصة عندما يتعلق الأمر

بلندة، التي يوشك قطار الزواج أن يفوتها!.

العثور على رضيع مخنوق يفتح الباب واسعًا للبحث عن أمه المجهولة صاحبة

الخطئية، واللافت للنظر أن مسيحة يتجه بشكوكه المدمرة إلى ابنته، فإذا به

يمعن النظر إليها وهي نائمة: “يمسحها بعينيه الضيقتين ويتحسس يدها وبطنها

مدعيًا أنه يسألها عما بها، وبطنها بالذات، لم تكن له ليونة بطون الوالدات ولكنه

كان يوجعها”.

يعيش مسيحة في جحيم لا يستطيع الفرار منه، وكم يبدو فاقد الثقة بأقرب

الناس إليه عندما يفكر في تستر زوجته على ابنته: “قد تكون هي المتسترة

على بنتها، بل وما أدراه أنها لا تتستر أيضًا على نفسها؟”.

الأمر هنا يقترب من حالة المرض النفسي المزعج، وينم عن خلل فادح يسكن

كاتب الحسابات الذي يعلي من شأن الحذر والريبة، في تطرف مرذول يقف به

على حافة الجنون، وها هو يقع أسيرًا للأرق والأفكار السوداوية التي تنغص

صفو حياته، وتطيح بالحد الأدنى من راحة البال.

الإسراف في الجفاف يفسد حياة مسيحة، فلا متسع عنده لحسن الظن

والاحتكام إلى مشاعر إنسانية دافئة، تخلو من أشباح السوء. لا يعني هذا النمط

من التفكير الغالب عليه أنه أحادي النظرة، فلا يخلو الأمر من تفكير مضاد يعود به

إلى شيء من الحس الإنساني: “وبينما هو في خضم ذلك الكابوس الرهيب عنَّ

له سؤال: أليس من الجائز أن يكون مخطئًا؟ ماذا لو ثبت أن اللقيط مثلاً ابن واحدة

من الغرابوة، ألا يعد تفكيره على هذا النحو واتهامه لابنته وطعنه شرفها ضربًا من

الجنون والعته؟”.

مثل هذه الأسئلة التي تتضمن قدرًا من الندم، أقرب إلى الاستثناء في طوفان

الشكوك السوداء التي تسيطر على مسيحة، ولا نهاية للقلق والوساوس إلا بعد

اكتشاف الأم التي خنقت رضيعها، لكنها نهاية لا تنفي أن الأصل عند مسيحة هو

سوء الظن وغياب الثقة.

…………………..
لا تحول براءة لندة دون استمرار الهواجس المسيطرة على مسيحة، فهو يعود

سريعًا إلى مخاوفه القديمة من قيام علاقة بين ابنته، أسيرة الشباب والفراغ،

وصفوت ابن مأمور التفتيش، ولم يكن الخطاب الغرامي الذي يرسله الشاب

العاشق إلى لندة ويضبطه مسيحة، إلا تأكيدًا لجدية المخاوف التي تنتابه، ومن

هنا يبادر بزيارة المأمور فكري في منزله، محتجًا على سلوك الابن، الذي يؤثر

الانسحاب من المعركة والهروب إلى القاهرة.

العلاقة بين مسيحة وفكري متوترة منذ البدء، ولا يتورع كاتب الحسابات الداهية

عن إرسال الشكاوى ضد المأمور، طاعنًا في ذمته المالية ومشككًا في إخلاصه.

لا تغيب حقيقة مواقف مسيحة عن فكري أفندي، ولذلك يتخوف من زياراته ولا

يتوقع إلا الشر: “فزيارات الباشكاتب لمكتبه قليلة ونادرة، ودائمًا وراء كل زيارة

هدف، والهدف على الدوام خبيث”.

ينهمك مسيحة في مواجهة المخاوف التي تتعلق بصفوت وما يمثله من تهديد،

وتغيب عنه أسرار العلاقة السرية التي تنمو ببطء وثقة بين لندة وأحمد سلطان،

الموظف الصغير في التفتيش، وهي العلاقة التي تفضي إلى مفاجأة مدوية من

العيار الثقيل. يستقيل أحمد ويغادر التفتيش، ثم تختفي لندة ذات يوم: “وجن

مسيحة أفندي وهو يطوف البلاد طولاً وعرضًا ويبحث عنها، وزالت المفاجأة،

وانكشف السر حين عرف أنها ذهبت لتتزوج من أحمد سلطان، وأن الزواج تم في

مركز البوليس، وأن استقالته واختفاءها وكل شيء تم باتفاق بينه وبينها. وأضاف

ما حدث إلى عمر مسيحة أفندي عشرات الأعوام، فشاب معظم شعره وأصبح لا

يهتم بنظافة ثيابه أو وضع المناديل لتحمي ياقته من عرقه، وقاطع لندة وزوجها

وآلى على نفسه وأولاده وزوجته ألا يعرفوها أو يروها أو تأتي سيرتها على

ألسنتهم. ولكن الأيام – آه من الأيام- ما لبثت أن جعلته يغفر وينسى، ويرد على

الخطابات الكثيرة التي ظلت لندة ترسلها إليه كل أسبوع بخطاب متزمت

مقتضب، ولكنه يبدأ بتلك العبارة:

– ابنتنا العزيز لندة..”

ما تقوم به لندة فعل يشبه الصاعقة، فالهروب في ذاته كارثة، والزواج من مسلم

صدمة لا يسهل الشفاء منها. إنه زلزال مدمر يفسد حياة الباشكاتب الحريص

الحذر المتمسك بالعقل والمطمئن إلى حساباته، والذي يرى في منهجه الجاف

ضمانًا للنجاة من التحولات العاصفة والكوارث التي يكابدها الآخرون.

لا يستطيع مسيحة أن يحتفظ بتوازنه وتماسكه، ولا يقوى على الاستمرار في

إيقاعه المألوف المعتاد. يتخلى مرغمًا عن كل التقاليد والأعراف التي تصاحبه

في رحلة العمر الطويلة، فلا نظافة أو أناقة، ولا شهية في الإقبال على الحياة

التي تتنكر له وتوجه أشد الطعنات.

الحذر لا ينجي من القدر، وكاهن الحسابات يسقط صريعًا لخلل فادح في

حساباته. قد لا يكون مسئولاً وحده عما يجري، لكنه يتحمل بالضرورة الجانب

الأكبر من المسئولية، ذلك أنه يغالى في الشح العاطفي، ويبتعد عن ابنته

وهمومها الكامنة، قانعًا بالدفاع السلبي الذي يحقق الأمان المؤقت الزائف. لا

يفكر في الاقتراب منها وتفهم ما يحاصرها من أزمات خانقة، وما يراود خيالها

الظامئ إلى الحب من أحلام وتطلعات، وكان لابد أن يدفع الثمن.

تمرد لندة يقود مسيحة أفندي إلى الذبول والضياع والتخبط والانكسار، وخضوعه-

بعد تمنع طويل- لقانون التسامح والرضا الاضطراري لا يعني أن تستعيد حياته

إيقاعها المألوف الذي يسود عقودًا متصلة، فقد انكسر شيء جوهري يستحيل

تعويضه!.
……………………..

لا تأثير للاختلاف الديني على مكانة مسيحة الاجتماعية في التفتيش، حيث يحتل

دور الرجل الثاني، ولا دور للدين في تشكيل ملامح شخصيته التي تعبر عن

تفاعلات وانعاكاسات العمل دون العقيدة.

دميان، الأخ الوحيد لمسيحة، معتوه أبله، يسخر منه الجميع بقدر ما يشفقون

عليه. لا شيء فيه من صفات الدهاء والخبث والمكر والحرص، بل لا يتورع عن

القول بأنه مسلم وموحد بالله، ويقرأ الفاتحة وآية الكرسي.

الشقيقان مختلفان إلى درجة التناقض الكامل، وفي هذا الاختلاف ما يبرهن

على أن الانتماء الديني وحده لا يصنع الخصوصية أو يشكل الشخصية، والأمر

نفسه ينطبق على الزوجة عفيفة، فقد تربت في القاهرة وتعلمت وتمدنت

وبرعت في إتقان قواعد السلوك الاجتماعي المتحضر، ومن هنا تفوقها الثقافي

الكاسح على أم صفوت زوجة المأمور: “كانت الست عفيفة على الدوام تحرجها

وتظهر لها مدى فلحها وجهلها، وتفعل هذا بلباقة شبرا وحذر زوجها مسيحة.

وكانت أم صفوت تغضب وتركب حينئذ رأسها وتتحدى وتقضي الساعات الطوال

تلعن عفيفة أمام نساء الفلاحين وتنال منها”.

الهجوم الساخر غير المباشر الذي تشنه زوجة مسيحة لا شأن له بالعقيدة

الدينية، والهجوم العنيف المضاد الذي تقوم به أم صفوت لا يتطرق إلى الدين

أيضًا. الصراع كله دنيوي خالص يدور حول معطيات الحياة وما تحفل به من معارك

صغيرة لا غنى عنها.

مسيحة أفندي ذو حضور متوهج، ومرد نجاحه كشخصية روائية يكمن في

اختلافه الكامل عن المحيطين به، وهو اختلاف لا تظهر فيه العوامل الدينية، ذلك

أن البطولة للحياة بكل ما يعتمل فيها من مفردات متنوعة، لا تنطلق من الدين

وحده بطبيعة الحال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق