مصطفي بيومي يكتب “المهدي” عوض الله ..

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية

المهدي” – عوض الله

عبد الحكيم قاسم

في روايته القصيرة “المهدي”، يتطرق عبد الحكيم قاسم إلى قضية شائكة

تنخرط في دائرة المسكوت عنه، ذلك أنه يعالج فكرة التحول شبه الاضطراري من

المسيحية إلى الإسلام. قد يكون صحيحًا أن كُتابًا آخرين قد انشغلوا بالأمر، مثل

نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، لكن الفارق الجوهري يتمثل في الضغوط

المادية والمعنوية، المباشرة وغير المباشرة، التي يتعرض لها المعلم عوض الله

في رواية قاسم، وصولاً إلى الإسلام والموت معًا!المعلم عوض الله صاحب مهنة

غير شائعة، فهو يحترف صناعة الشماسي. عمل موروث عن الأب الذي يقعده

المرض قبل موته، ولا يترك للابن إلا شهادة بالبراعة ونصيحة بالسعي وراء

الرزق: “لقد أصبحت يابني حسن البصيرة عارف اليد، وأنا تعبت، احمل الخرج

وعلق الشماسي في ذراعك كصانع حق واذهب لزبائني، بذلك تقر عيني”.

سلعة لا يستهلكها إلا نخبة محدودة العدد من الأعيان والوجهاء، وقد تزوج عوض

الله وأنجب واستقر في طنطا، لكن الفقر يلاحقه ويطيح باستقراره، ويصل به

التدهور إلى مرحلة يعجز فيها عن دفع الإيجار الزهيد لصاحبة البيت الطيبة

الست جبونة.
صاحبة البيت ليست بالشريرة المتغطرسة، والزوجة فلة مدبرة حكيمة، لكن

العائد المادي الضئيل لا يفي بالحد الأدنى من الاحتياجات اليومية الضرورية،

وتحالف الخجل والقهر يدفع صانع الشماسي إلى الإقدام على قرار بالغ

الخطورة، يعالج مشكلة الحرج من الإيجار المتراكم، ويفضي إلى الضياع

والسقوط في براثن المجهول غير محدد المعالم:

“- ياست جبونة.. أنا ماشي.. وسوف نترك لك هذه الأواني النحاسية وفاء

بالمتأخر علينا من الإيجار”.

عوض الله مواطن مصري مسيحي فقير، وجبونة صاحبة البيت مسيحية طيبة،

وما أكثر المسيحيين والمسلمين الذين يرزحون تحت ضغط الحاجة قبل ثورة 23

يوليو وبعدها.
الدين لا يمثل أهمية خاصة في حياة الأسرة الفقيرة، والمعاناة التي يكتوون

بنيرانها لا شأن لها بالانتماء الديني. الحوار بين الزوجين، وهما مقبلان على فصل

جديد معقد في كتاب الحياة المشتركة، يكشف عن إيمان بعيد عن شبهة

التعصب والانغلاق: “يقول لها المعلم عوض الله:

– ضاق الرزق في طنطا يافلة.. سنخرج إلى الريف.. لعلنا نصادف فرجًا.

صمتت هنيهة شاردة، ثم قالت هامسة كأنما تحدث نفسها:

– لننشد كفرًا مسيحيًا يا عوض الله.. فيه كنيسة وراع صالح.

حلم كجناح ملاك أبيض طفلي الوجه يلمس شغاف قلبه يتنهد:

– سيرعانا المسيح يافلة.

وتلفتت فلة حولها ثم رسمت بعجلة صليبًا على صدرها، وعوض يواصل حديثه

الهامس:
– إن عمد الريف وأعيانه لا يتخذون أبدًا هذه القبعات الزرية.. ويجدون في

الشماسي وجاهة وظلاً.ثم مضى يسلم جبينه للنسيم، يختلط مذاق التعب

المالح في فمه بطعم الدموع المترقرقة وهو يتمتم ببقايا تسابيح “.. ولا تدخلنا

في تجربة.. ونجنا من الشرير”.

لا ينشغل عوض الله بالتفكير في كفر مسيحي وكنيسة وراع صالح، وينصب

اهتمامه على البشر المرشحين لاستهلاك السلعة التي ينتجها، دون نظر إلى

المعتقد الديني. الإيمان قابع في أعماقه ويتجسد عبر الآية التي يسبح بها

ويدعو، لكنه خاض التجربة ولم ينج من الشرير!.

اللهاث وراء الرزق يقود المعلم عوض الله إلى تجوال طويل في القرى، لكن

الفلاحين فقراء، والأزمة المادية تزداد اشتعالاً. الوقوف في اللامكان بلا مأوى

يصنع المرض والقلق، والقدر وحده من يرتب للقاء عوض الله مع علي أفندي،

المسلم الكريم الشهم المتسامح صوفي النزعة متألق الروح. يوم من الجفاف

يتصاعد فيه التوتر، ولا يملك المأزوم العاجز إلا أن يستغيث بالمسيح ويتضرع إليه،

ثم يواصل السير إلى مشارف قرية “محلة الجياد”. تلتقط القافلة الصغيرة

أنفاسها، ويعكف عوض الله على صناعته، ويظهر علي أفندي.

علي أفندي رسول القدر، فها هو بعد حوار قصير يحيط بأبعاد التاريخ القريب

للأسرة المرهقة المشردة: “ثم يهب في نوبة شهامة:

– تعال يارجل أنت وعيالك إلى داري ضيفًا مكرمًا حتى يصبح الله الصباح”.

استضافة سخية قوامها كرم أصيل وتسامح لا افتعال فيه، لكن عوض الله لا ينجو

من القلق وغياب الشعور بالاستقرار. لا يمكن أن يكون ضيفًا دائمًا، ولا بديل

يملكه للتواصل مع المستقبل المجهول، ومن هنا تبدو نزعة الاستسلام مبررة

مفهومة. تنكسر الإرادة، وينهار جهاز المناعة المادية والروحية، ويسهل التأثير

على الرجل الذي لا يقاوم قدره.

علي أفندي مسلم متسامح لا يرى عوض الله وأزمته من منظور ديني، لكن أفراد

شعبة الإخوان المسلمين في القرية لا يتبعون المنهج نفسه، ويرون في

المسيحي المتعب صيدًا ميسورًا يحققون به انتصارًا زائفًا.

لا يضيق علي أفندي بضيفه، لكنه يبحث له عن حياة مستقلة مستقرة تزيح عنه

مشاعر الارتباك والحرج. ولأن الإخوان في القرية هم الأكثر تنظيمًا، ولأنهم

يرفعون شعارات دينية جذابة، يتجه علي أفندي إلى الإخواني النشيط طلعت

مشرقي، ويعرض المشكلة من منظور إنساني، وتأتي الإجابة كاشفة عن نية

مغايرة وتوجه مختلف: “لابد من الاهتمام بأمره.. علينا أن نبر بأهل الذمة..

ونستألف قلوبهم للإسلام”.
الإشفاق الإنساني يمثل ركيزة التفكير المسيطر على المسلم السمح علي

أفندي، و”البر بأهل الذمة” والرغبة في هدايتهم للإسلام تمثل المنطلق الوحيد

عند الإخواني الشاب. الأمر عنده أقرب إلى “غزوة” تستهدف النصر المظفر،

و”معركة” تستحق التخطيط والحشد. في هذا الإطار وحده يتحرك طلعت،

وتتجسد رؤيته بوضوح في كلماته للعمدة الذي يؤجر للمسيحي الوافد بيتًا من

أملاكه: “لقد اهتمت الشعبة بالرجل، فالمسلمون مأمورون بالحدب على أهل

الذمة وأن يستألفوا قلوبهم للإسلام، وعليه فقد قمنا بحركة شاملة تهدف إلى

حض الناس على إصلاح شماسيهم عند الرجل أو شراء شماسي جديدة منه،

وتولينا تحديد الأسعار فلاوكس ولا شطط، وإلى جانب هذا فثمة حركة شاملة

لجمع التبرعات من النقود أو الحبوب أو الملابس وإحصائها وتصنيفها وتسليمها

له، المهم أن القضية الآن هي شغلنا الشاغل، وهي مثار اهتمام البلدة

جميعها”.
الإلحاح على استخدام مصطلح “أهل الذمة” ينم عن الشعور بالاختلاف والتميز

والتعالي، والدعم الذي تحشد له الشعبة الإخوانية ليس عملاً إنسانيًا خالصًا،

فالمساعدة تصب في خدمة “القضية” التي تتجاوز مفهوم الخير كما يفهمه علي

أفندي، المعبر بحق عن الغالبية العظمى من المسلمين.

على الجانب الآخر، تصل الأزمة الخانقة بالمعلم عوض إلى الذروة. لا ينام،

ويعيش في حالة من الإغماء الدائم، وتحاصره الكوابيس. لا يغيب تدهوره عن

الزوجة المخلصة فلة، وهي من الضعف والوهن بحيث لا تملك أن تقدم دعمًا أو

عونًا.
رفيقة العمر تشفق وتراقب وتعطف، وأبواب الزرق موصدة بلا أمل في الانفراج،

والمضياف الطيب علي أفندي، مدفوعًا بحسن النية، يقود المسيحي الطيب إلى

تجربة بالغة القسوة، وشباب شعبة الإخوان يحاصرون عوض الله ويصلون به إلى

الهاوية.
في الدار الجديدة المؤجرة، يتحلق شباب الإخوان حول المعلم عوض الله في

نصف دائرة، ويقول طلعت مخاطبًا الرجل وزوجته: “تلك هي داركم الجديدة، نرجو

أن يبارك الله لكم فيها، الآن سوف نمضي ونترككم في حالكم، لكننا قبل أن

نمضي نقدم لكم باسم الإخوان المسلمين في محلة الجياد هدية، ألا وهي كتاب

الله”.

أي مغزى في أن يكون القرآن الكريم هدية للأسرة المسيحية؟

الرفض ليس واردًا بطبيعة الحال، والإخواني طلعت لا يقنع بالهدية فيشير إلى

موضع بعينه ليكون بداية القراءة، ثم يضيف إلى هديته كتابين لا يمكن تقديمهما

إلا لمسلم يسعى الإخوان إلى تجنيده: “مذكرات الداعية الأول للإخوان

المسلمين، وكتاب “من هنا نعلم” للأستاذ الغزالي”.

الزوجة فلة تستشعر الخطر، وعوض الله يدرك أن أوان التراجع قد فات. يقرأ الآية

التي أشار إليها طلعت فتصل الرسالة بلا غموض أو لبس: “الكتابة غريبة عليه،

يقرأ بعسر “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ

إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ

قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ

(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ”. ولم يستطع المعلم أن يقرأ أكثر، ألقى

برأسه على الحائط خلفه وانهمرت دموعه وهو يتمتم:

يا يسوع المسيح.. يابن الله.. تمجد اسمك.

كانت صياغة النص أكثر مما يطيق.. أكثر مما يطيق”.

الآية القرآنية الكريمة بمثابة النقد الجذري الشامل لجوهر العقيدة المسيحية

التي يعتنقها عوض الله، الصانع البسيط الذي يؤمن بالقلب دون العقل، وبالميراث

دون الاختيار، شأنه في ذلك شأن الملايين من أتباع المسيحية والإسلام على

حد سواء. لا قدرة له على مناقشة النص القرآني، فهو ليس عالمًا لاهوتيا

متبحرا، والدين كما يفهمه ويمارسه رسالة حب ومبادئ عامة وطقوس معتادة. لا

قبل له بشراسة شباب الإخوان من الخطباء المفوهين، فهل من غرابة في أن

يصل سريعًا إلى محطة إشهار الإسلام؟!

تضحك أسارير طلعت وهو يعلن النبأ، وإذ يتساءل الراوي:

“- لكنه يبدو مريضًا، أليس كذلك، شديد الشحوب.

يبتسم طلعت معلقًا بما يتوافق مع زهوه بالانتصار الخارق الذي يتوهمه:

– لقد أضاء الإيمان وجهه!”.
شحوب المرض أم نور الإيمان؟! الفارق شاسع بين الوجهين، لكن الاتجاهات

الأحادية المتعصبة لا ترى إلا ما تريد أن تراه، وتضفي هالة من المجد حول الحالة

البسيطة التي تعاني من الضغوط النفسية والإرهاق البدني: “الإسلام يتقدم،

وذلك بفضل فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”.

لن يتقدم الإسلام بعوض وآلاف من أمثاله، ولن تتدهور المسيحية لفقدان ملايين

مثل عوض. أخطر ما في خطاب الإخوان المسلمين، كما يرصده عبدالحكيم

قاسم، هو ضيق الأفق والاعتزار بالانتصارات الصغيرة والغياب المزعج للحس

الإنساني الذي لا تكتمل الإنسانية الحقيقية إلا به.

في مقابل هذا التعنت المرذول، يظهر الشيخ سيد الحصري برؤيته العميقة وليدة

التوجه الصوفي العابر للصغائر: “إنما أجد سكة العبد للصلاح في رب يعرفه

ويرتضيه ويحبه، نعم رب يعرفه ويرتضيه ويحبه”.

القضية الجوهرية هي الإيمان بالله، والأديان جميعًا تقود إلى فكرة الإيمان

وتختلف في التفاصيل، فلماذا لا يتعايش الجميع في إطار حرية الاعتقاد بلا

ضغوط؟!
لا يشهر عوض الله إسلامه عن اقتناع وإيمان، فالرجل ضعيف مضطرب الأعصاب

عليل البدن، يواجه حصارًا خانقًا من شباب مندفع في حماس بلا حدود. مقتحمو

الدار لاصطحابه إلى الحفل الصاخب، لا يعرفون ما يدور في أعماقه، ولا

يستمعون إلى صلواته واستغاثاته. الحمى تقف به على حافة الهلاك،

والمنتشون بالنصر الزائف لا يعبأون بما يعانيه المريض ويتجسد في جسده

ووجهه: “نظر أحد شبان الإخوان إلى طلعت. يهمس مرعوبًا:

– إن الرجل مريض. إنه في الحقيقة يموت.

امتص طلعت لعابه الدامي وتجهم وجهه وبات أشد انبعاجًا ورد بصوت حاسم:

– لابد أولاً أن يتم الاستعراض الذي تنتظره حشود الإخوان، وبعد ذلك أيها الأخ

سوف نعرضه على طبيب”.

هل يمكن أن تتحجر القلوب وتقسو إلى هذا الحد؟!. مريض يحتضر، وإصرار على

الاحتفال الاستعراضي الذي يبرهن على النجاح والإنجاز. مثل هذا السلوك بالغ

القسوة لا يمت إلى جوهر الإسلام الذي ينتصر للإنسان ويعلي من شأنه. يهتم

طلعت بتفاصيل الاحتفال كأنه مخرج لعرض مسرحي قوامه الإبهار: “وجئ

بالمداس ووضع في قدمي المعلم، وأمسك طلعت ساعده الأيمن ونظر إلى أخ

آخر أقبل أمسك بالمعلم من ساعده الأيسر والمحموم لا يعي تمامًا، يمتلئ

رأسه بصخب المشهد الكنسي وعلامات الحداد، لا ينقطع صراخه ولا يسمعه

أحد”.. ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع ومضوا به” وهو في

يدهم جسد مسلوب، ودون أن ينظروا ناحية فلة مضوا به خارجين، يكادون

يحملونه من ساعديه حملاً، وقدماه ترتطمان بالأرض”.

عوض الله يعيد إنتاج سيرة المسيح، والشعبة الإخوانية تعبر عن المعسكر

المضاد الجدير بالإدانة والرفض. يقبضون على الرجل ويقودونه إلى نهايته: “وإذ

ينزلونه عند باب المسجد ينكفئ على وجهه فاقد الوعي تمامًا، وكالنار في

الهشيم تنطلق من الناس صرخة” لقد مات المهدي” والناس حوله يجلسونه

على الأرض يهزونه ويربتون على صدغيه دون جدوى، وحلقة الأجساد الحامية

للمعلم تكاد تصدع، لكن فجأة يجدون فلة قد تسللت من وسط هذه الجموع

وألقت بنفسها على المهدي، أخذته على صدرها، وفي لحظة كأنما غرق هدير

الجماهير في بئر ليس لها قاع، صمت يطن بعمق والناس ترى فلة تأخذ المعلم

إلى صدرها وتصلى بحرقة:

– باسم الرب يسوع المسيح.

وترسم على صدرها علامة الصليب”.

يموت عوض الله مسيحيًا في حضن الصليب، وتكتمل شهادة الروائي الكبير عن

تعصب الإخوان وتطرفهم وعدائهم الأصيل للحياة وقيم التسامح والتعايش.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق