مصطفي بيومي يكتب:( هارب من الأيام )كمال أبو منصور

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية..ثروت أباظة

مئة وخمسون شخصية روائية مصرية
17- ثروت أباظة
( هارب من الأيام )
كمال أبو منصور
——————–
لا تختلف قرية “السلام” عن غيرها من القرى المصرية قرب نهاية النصف الأول من القرن العشرين، وسكانها خليط من الأغنياء

والمستورين والفقراء، مع قلة من محترفي جرائم القتل والسرقة وتجارة

المخدرات، فضلا عن بعض المهمشين المنبوذين الذين لا وزن لهم، وكمال أبو

منصور في طليعة هؤلاء.

لا تنجو القرية التقليدية من خلل اجتماعي ووجوه شتى للمظالم والانحرافات التي تمثل جزءا مألوفا من نسيج الحياة اليومية،

لكن الحياة تسير كما هو العهد بها دائما، دون نظر إلى ما يمكن استيعابه

والتعايش معه من صراعات كامنة لا تمثل خطرا ذا شأن.

كمال أقرب إلى “الأشياء” منه إلى البشر، وبتمرده على السائد المستقر تتشكل

أحداث الرواية، وينتقل “الشيء” المهمل إلى الصدارة، فإذا به العنصر المؤثر

الفاعل الأكثر أهمية وحضورا.

……………………

كمال أبو منصور شاب موفور الصحة، ذو عمل تافه يجمع بين نقيضين متعارضين

تتسع لهما الحياة الإنسانية في كل زمان ومكان :”فهو رجل الأحزان والسعادة،

وهو نجم المأتم والفرح وهو الناعق عند الفراق الذي لا لقاء بعده في الدنيا، وهو

البشير بلقاء يُرجى فيه الاتصال.. إنه عمود الوفيات في قريته، فما لاقى إنسان

ربه إلا كان كمال هو ناقل نبأ هذا اللقاء إلى أهل القرية، حتى يبادروا إلى القيام

بواجب العزاء، ورد الجميل السابق، ومساندة أهل الذاهب، الحزين منهم

والمتظاهر بالحزن.

وما لاقى إنسان زوجته إلا كان كمال أبو منصور هو الزغرودة.. زغرودة الرجال

التي تنطلق مبشرة باللقاء”.

لا شك أن القرية تحتاج إلى الإحاطة بما يجدّ فيها من الأتراح والأفراح، لكن

السؤال: هل يُعد نشاط كمال عملا حقيقيا مثل فلاحة الأرض والمهن الخدمية

التي لا تكتمل لوحة الحياة إلا بها؟. الإجابة لابد أن تكون بالنفي، ذلك أن الزيجات

والوفيات ليست أحداثا يومية متكررة، وإخبار الناس بها لا يتطلب تفرغا احترافيا.

طبلة كمال هي أداة عمله الذي يقبع به في القاع الاجتماعي، ويتيح تصنيفه في

دائرة المتسولين الذين يتعيشون بالصدقات :”نعم لقد كان كمال أبو منصور

طبالا.. فهو إذن ليس متبطلا، ولكن قرية السلام، قرية لا تزيد، ولن تجد بالقرية

ملاقيا لربه أو لعروسه في كل يوم، وقد تتباعد الأيام بين كل لقاء ولقاء، ولكن

مواقيت الغذاء لا تتباعد، والبرد يأتي في موعده المعلوم، وكمال يعتقد أن الكرامة

كل الكرامة هي أن يحصل على قوت يومه، ليس يعنيه أي سبيل يسلكه إلى

هذا القوت. فما البأس به لو أنه طاف بالأغنياء من قريته، يطلب أن يعوضوه خيرا

عما يفوته عليه عدم انتظام الوفاة أو الزواج”.

لا تضيق القرى المصرية بالنمط الذي يمثله كمال، والعائد الضئيل من عمله غير

المنتظم يتم تعويضه عبر عطايا الأغنياء القادرين. الظاهر السطحي المباشر

يوحي بشخصية مقهورة منسحقة لا طموح يراودها إلا الاستمرار في الحياة، ولا

وجود في قاموس أمثاله لمفردات مثل الكرامة والخجل. من البدهي أن يستقر

في القاع محتقرا حتى من فاطمة خادم العمدة، التي تستنكر في غضب واستياء

ما يقوله مازحا عن زواجهما:

“- هل جننت يا ولد؟! والله إن لم يبق في الدنيا كلها إلا أنت، لما قبلت أن أسمع

منك هذه الكلمة.

ولا يعجب كمال من ردها هذا، فقد كان يعلمه، ولكنه يسارع ملاطفا في ضحكة

ما زالت مازحة:

– أعرف يا فاطمة.. لكنني كنت أمزح.

– ولو.. لكل شيء حد!.. أيصل بك المزاح إلى هذا؟”.

هل يمكن أن تتخيل فاطمة، المتأففة من مزاحه غير المقبول، أن الطبال الذي

تزدريه عاشق لسيدتها الجميلة درية ابنة العمدة؟. ما يعتمل في أعماق كمال

من أفكار ومشاعر مغاير لما يظهره، فهو ذو رؤية تتمرد على التفاوت الطبقي

الذي يشكل الخريطة الاجتماعية. الرخاءالذي ينعم به العمدة يثير غضبه،

والمقارنة التي يعقدها جديرة بالتأمل والاهتمام :”أكل هذا الخير في بيت واحد

تنعم به أسرة واحدة؟.. أهذا عدل يا رب؟ وياليته جمع ما جمع من الطريق الحلال!

بل هو النصب والسرقة والرشوة.. عدلك يا رب.. هذا العتل الغليظ يتمتع بكل هذه

الخيرات وأنا لا أملك شيئا.. ما ذنبي إن كان أبي طبالا فكنت مثله؟ وكان أبوه

عمدة فهو مثله!.. أأنا الذي خلقت أبي وجدي ومن سبقهم، وقلت لهم كونوا

طبالين فكانوا؟!”.

الثراء موروث مثل الفقر، والمكانة الاجتماعية والاقتصادية لا تقترن بالعمل

والكفاءة. مفهوما “الحلال” و”الحرام” غامضان مراوغان، ووعي كمال بسلوك

العمدة وانحرافاته ينهض دليلا دامغا على غياب العدل.

من أين يستمد الطبال قدرته على التحليل الذي لا يملك مؤهلاته النظرية؟.

تعليمه محدود لا يتجاوز ما يتلقاه طفلا في كتاب القرية، لكن السخط المزمن

يصنع رؤاه، ويفرض حلما غير تقليدي يسيطر عليه؛ امتلاك سلاح ناري.

لا وجود للدين في حياة كمال إلا بالقدر الذي تفرضه الأعراف الاجتماعية، فهو

يواظب على الصلاة في المسجد لأن “عدم الصلاة في القرية كبيرة من الكبائر

التي لا تُغتفر، وهو يحب أن يترضى عقول القوم”.

النفاق الاجتماعي دافعه الوحيد للصلاة، والمجتمع الذي لايغفر إهمال الفريضة

الدينية هو نفسه الذي يحترم القتلة واللصوص وتجار المخدرات، ويصفهم

بالشهامة والكرم، كأن سلوكهم المنحرف لا يخالف ثوابت الدين!.

القاتل المحترف منصور الدفراوي، تاجر المخدرات هلال النمرود، اللصان الزهار

ونور الكحلة؛ منظومة الإجرام التي تتسع لها قرية “السلام”. يجالسهم كمال من

موقع التابع الذي يقعي تحت الأقدام في سهرات المزاج والسمر، وفي مجلسهم

هذا يبدأ التغيير الجذري في حياة الطبال والقرية معا.

……………..

يرتكب الدفراوي جريمة قتل لحساب لطيف بك، ويخبىء “المقروطة” في الجبانة.

يستمع كمال إلى ما يقوله القاتل مباهيا، ويتخذ القرار بالحصول على السلاح

الذي يحلم به :”عرف في هذه الليلة من أين يحصل على سلاح، وهو يعرف منذ

أمد بعيد كيف يستعمل هذا السلاح”.

هامشية كمال في الجلسة تبرر الحديث عن الأسرار في حضوره دون حذر، لكن

قدرة الطبال على استخدام السلاح غير منطقية. كيف ومتى وأين يتقن عملا

يتطلب تدريبا ومعلما ومكانا آمنا بعيدا عن العيون؟. لا ينشغل الروائي بالبحث عن

وسيلة لإضفاء المصداقية، والتركيز كله ينصب على تحقيق الحلم عبر مصادفة

يهيئها القدر.

بعد الاستيلاء على “المقروطة”، يشرع كمال منفردا في تنفيذ سلسلة من جرائم

السطو، تبدأ بالمأذون الثري البخيل الشيخ عبد الودود، ثم عبد الرحمن أفندي

السلامي، وصولا إلى تاجر القطن الخواجة استاورو؛ وتُقيد الجرائم كلها ضد

مجهول :”وهل كان كمال إلا مجهولا. ومن الذي يظن أن كمالا يستطيع أن يعتدي،

وهو من عاش عمره مرعى للاعتداء، وموطنا للهوان، وصوتا أجوف، يشيع ميتا، أو

يزف عروسا، وفي هذا المجهل، وفي هذه الزاوية المتوارية عن الأعين، وفي

هذه الغمرة من حقارة الشأن، كان كمال قد أعد الخطة، وانتفع بكل شيء، حتى

بهذا الاحتقار الذي كان يتمتع به، فقد كان يتوارى في هذا الاحتقار، بعد كل

جريمة، فلا يفكر فيه أحد، وتُقيد الحادثة ضد مجهول”.

كمال الطبال، بوضعيته الهامشية المتدنية، ليس موضعا للشبهات، والنجاحات

التي يحققها تضفي هالة أسطورية على القاتل المجهول الغامض الذي يحظى

بإعجاب محترفي الجريمة المتطلعين لمعرفته. كمال هو من يكشف لهم السر

بعد نقد عنيف لنشاطهم ضعيف المحصول، ويقدم عرضا باسم صانع الحوادث

الخارقة شريطة الطاعة والولاء :”إنه يريدكم أن تقسموا على أن تكونوا معه رجلا

واحدا، تأتمرون بأمره، لا يرتفع صوت أمام صوته، قوله أمر، وإشارته تنفيذ، ماذا

تقولون؟”.

الإغراءات التي يقدمها كمال في فصاحة ومنطق مقنع لا يمكن رفضها، وزعامته

مبررة على من كانوا سادته. يخضعون لإرادته بلا معارضة، ويفرض عليهم توزيع

نسبة من المكاسب على الفقراء. فكرة تجمع بين “العدالة الاجتماعية” والمنفعة

العملية:

“- وماذا سنفيد نحن؟

– تفيدون أنكم ستطبقون الأفواه حواليكم، فلا تنطق إلا بحمدكم وتقومون

بأعمالكم في الظهر الأحمر، فلا يشهد عليكم أحد..”.

بالفكرة النظرية غير المعهودة في عالم اللصوص التقليديين، وتطبيقها العملي

الذي يمنح العصابة سمعة الجماعة الخيرية، يتجاوز كمال موقع قاطع الطريق

ذاتي الأهداف أناني الدوافع، فهو صاحب رسالة على نحوما، ولا يتنكر لتاريخه

القريب الحافل بالمعاناة والحرمان. بانخراط الجميع تحت قيادة الزعيم حاد الذكاء،

يتشكل فريق يبث الرعب غير المسبوق ويحول قرية “السلام” إلى ساحة حرب

وقهر على الصعيدين المادي والمعنوي.

إتاوات باهظة يتم فرضها على كل أوجه النشاط الاقتصادي في القرية، والخضوع

كامل بفعل أجواء الرعب التي لا تجد من يقاومها ويتصدى لها. الشيخ حسن

وحده يرفض الابتزاز ويتحدى رسالة التهديد التي يتلقاها، لكنه يدفع حياة ابنه

صلاح ثمنا لموقفه. بعد قتله، ترتفع أسهم العصابة التي يقودها كمال بحنكة

وبراعة، والأساليب المبتكرة غير التقليدية المتبعة في التخطيط والتنفيذ دليل

عملي على دهاء الطبال وموهبته في الشر.

من ناحية أخرى، لا تطول فرحة الفقراء بالعطايا والهبات التي يحصلون عليها،

ذلك أن البطالة تنتشر بين صفوفهم جراء الاضطراب الذي يضرب الإيقاع

الاقتصادي المألوف بفعل الهلع وفرض الإتاوات المؤثرة سلبا على توفير فرص

العمل :”فما كانت الأموال المفاجئة لتغنيهم عن الأجر المنتظم”.

جملة ما يقوم به كمال أبو منصور لا ينتسب إلى العمل الثوري بطبيعة الحال،

لكن ثروت أباظة يحاكم فكرة الثورة ويدينها من خلال سلوكه، واللافت للنظر أن

وطنية، رفيقة سنوات الفقر والمعاناة والحرمان، هي من يلجأ إليها الروائي لنقد

وتسفيه ما يقوم به الطبال الساخط باسم الدفاع عن الفقراء :”من قال لك ذلك؟..

من قال: إن كل من يملك بهيمة أو قطنا أو أرضا غني؟ ومن قال: إن هؤلاء كثرة،

ليس في قريتنا إلا قلة نادرة لا تملك شيئا، وحتى هذه القلة، غير راضية عنك،

فالأجراء أصبحوا لا يُستأجرون، وأصحاب الأرض جميعا وقف حالهم. ثم هم

يقولون: إنك فرضت الإتاوات لتأخذ معظمها لك، وتعطيهم منها الفتات الذي لا

يغني.. لا يغني أبدا بعد أن وقف عنهم الخير الذي كان يأتيهم ممن يستأجرونهم”

.
الأشد فقرا وعوزا هي من تهاجم الممارسة المغلّفة بالدفاع عن ضحايا الظلم

الاجتماعي، ولا شك أن خطابها بمثابة التعبير الدقيق عن رؤية الكاتب الذي

يرفض الصراع الطبقي ويعادي الأطروحات ذات النزعة اليسارية، منتصرا

للتجانس والتعايش في إطار التفاوت الذي يراه حتميا بين الفقراء والأغنياء.

………………….

قبل صعوده إلى الزعامة ومعانقة الثراء، كانت وطنية وحدها من تحب كمالا

وتمثل له الملجأ والملاذ. لقيطة مجهولة النسب، تنتمي مثل الطبال إلى

الهامشيين المنبوذين الذين لا تضيق بهم القرية. حلم الزواج يداعبها في سنوات

الهوان، ثم يتبخر ويتلاشى، ولا أحد غيرها يعرف ما يكنه كمال من حب لدرية.

الوصول إلى ابنة العمدة حلم مستحيل، ليس لأنها تحب فخري ابن الشيخ حسن

فحسب، بل أيضا لأنها ترى الطبال خادما جديرا بالشفقة والإحسان.

لا يفكر كمال في إلحاق الأذى بالفتاة التي يحبها في صمت يائس، لكن مسار

الأحداث يفرض عليه أن يخطفها ويتخذها رهينة. يتذاكى أحمد أبو خليل ويتحايل

للهروب من دفع الإتاوة المفروضة عليه من بيع القطن، وعندئذ يقتله الدفراوي.

الصدفة تقود العمدة والخفير فتحي لرؤية القاتل فيُقبض عليه ويُرحل إلى

المركز، وتطل المخاوف من اعترافه. المهرب الوحيد أن يغير العمدة شهادته،

واختطاف درية أداة الضغط المتاحة.

المواجهة بين كمال وسيدته الأسيرة تكشف عن ضعف الطبال العاجز عن

التخلص من ماضيه، وفي كلمات درية التي تتماسك ولا تضعف ما ينبىء عن

أزمة كمال والمجتمع كله :”أيها المسكين، تحاول أن تهرب من الأيام.. لن

تستطيع”.

كلماتها تكريس لفكرة تتجاوز الطبال الفرد المأزوم إلى المجتمع الذي يوقن

الروائي باستحالة تغيير القوانين التي تحكمه، ولابد عنده من الخضوع لثوابت

يبقى فيها السيد الغني سيدا غنيا، ولا يبرح الفقير التابع دائرة الفقر والتبعية.

يُقتل كمال في صراع غير متكافىء مع لطيف بك، وتنتهي المغامرة القصيرة التي

لا تملك مقومات البقاء. ينتصر أباظة للإصلاح الهادىء من داخل النظام القائم،

وهو ما يتجسد في تنازل العمدة الفاسد عن منصبه للشاب المستقيم فخري،

زوج ابنته في المستقبل القريب، أما “الثورة” التي يقودها كمال فهي المستحيل

الذي يرادف الهروب من الأيام!.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!